وقّعت وكالة المشتريات الدفاعية البولندية عقداً بقيمة 1.8 مليار يورو مع تحالف شركات بقيادة مجموعة PGZ الحكومية، يقضي بتوريد 146 مركبة قتالية من طراز بورسوك (Borsuk IFV) بحلول عام 2030. هذه الدفعة الثانية تأتي لتُكمل عقداً أولياً أُبرم في مارس 2025 شمل 111 مركبة، ليصل إجمالي الطلبية إلى 257 وحدة قتالية تُشكّل العمود الفقري لتحديث القوات البرية البولندية في العقد الحالي.
وستُموَّل الصفقة بالكامل عبر قرض ميسر في إطار أداة الدعم الأوروبية المشتركة SAFE، مما يُخفّف الضغط عن الميزانية الدفاعية الجارية دون المساس بالجدول الزمني للتسليم، في نهج تمويلي بات يتكرر لدى دول الحلف الساعية إلى التسلح السريع دون إرهاق خزائنها.
بولندا على خط النار
لا تنبع أهمية هذه الصفقة من حجمها المالي وحده، بل من السياق الأمني الذي وُلدت فيه. فبولندا التي رفعت إنفاقها الدفاعي إلى ما يزيد على 4% من ناتجها المحلي الإجمالي الذي بات يصنف من أعلى النسب داخل حلف الناتو، تقع على خط التماس المباشر مع روسيا في كالينينغراد وبيلاروسيا، ويخترق جنوبها ممر سوفالكي (Suwalki Gap) الاستراتيجي، ذلك الشريط الضيق البالغ 65 كيلومتراً الذي يُشكّل الوصلة البرية الوحيدة بين دول البلطيق وبقية دول الحلف.
في هذه المعادلة الجغرافية الحرجة، لا تكون مركبة القتال البري رفاهية تسليحية، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة الأرض قبل أي عقيدة دفاعية.
وقد جاء تسارع وتيرة التعاقدات انعكاساً مباشراً لدروس الحرب في أوكرانيا، حيث كشفت المعارك البرية القاسية عن مدى أهمية مركبات القتال متوسطة الوزن القادرة على المناورة السريعة والتكيّف مع متغيرات الميدان، بخلاف الدبابات الثقيلة التي تستنزف الخطوط اللوجستية وتُقيّد حرية الحركة.
ميزة لا تملكها سواها في أوروبا
تتميز مركبة بورسوك بخاصية نادرة تجعلها استثناءً حقيقياً في فئتها: فهي قادرة على الطفو والعبور فوق الماء والمجاري، وكذلك هي الوحيدة من بين مركبات القتال الأوروبية الحديثة التي تجمع بين هذه الميزة التكتيكية وبرج ZSSW-30 المزوّد بمدفع 30 ملم وصواريخ Spike المضادة للدروع. هذا التوليف يمنح الوحدات البولندية قدرة استثنائية على اختراق المستنقعات وتجاوز العوائق الطبيعية في بيئة جغرافية غنية بالأنهار والبحيرات كما هو الحال في شرق أوروبا.
من المصنع إلى السوق الأوروبية
لم تكتفِ مجموعة PGZ بتأمين السوق الداخلي، بل أطلقت بالتوازي حملة ترويجية واسعة في سوق الدفاع الأوروبي، كان أبرز محطاتها المشاركة الميدانية في معرض IDEB الدولي ببراتيسلافا.
ولكسب ود القرار العسكري في دول الجوار، طوّرت بولندا نسخة تصديرية بالتعاون مع شركة EVPÚ السلوفاكية، تتضمن برجاً خفيف الوزن مُحسَّناً مع هامش مفتوح للتوطين الصناعي المشترك وعقود صيانة ممتدة تدعم جاهزية الجيوش الحليفة على المدى البعيد.
طالع المزيد: كوريا الجنوبية تُجيز مقاتلة KF-21 للخدمة القتالية الفعلية.. قفزة نوعية في تاريخ صناعة الطيران الكورية
والرهان البولندي واضح: دول الجوار الباحثة عن مركبة قتالية أوروبية الصنع، قابلة للتوطين، ومُختبرة على أرض قريبة من مسرح العمليات الفعلي، لن تجد خياراً أقرب إلى متطلباتها من بورسوك.
أمام طاولة القرار
يرى المحللون أن هذه الصفقة ستُرسّخ مكانة بولندا مركزاً صناعياً دفاعياً في قلب أوروبا، لا مجرد مستورد للسلاح. فالجمع بين الإنتاج المحلي الضخم وعروض التصدير الإقليمية يمنح وارسو ورقة نفوذ اقتصادية وسياسية تتجاوز الكفاءة العسكرية البحتة، في مشهد دولي متقلب باتت فيه السيادة الصناعية أصلاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السلاح نفسه.
المصادر الرسمية:
- البيانات الرسمية لمجموعة الدفاع البولندية (PGZ Group)
- النشرات التقنية لمصانع Huta Stalowa Wola
- تقرير Defence Industry Europe
