من حرب فيتنام إلى ساحات القتال الحديثة.. الجيش الأمريكي يتمسك بصاروخ TOW حتى 2030

رغم مرور أكثر من نصف قرن على دخوله الخدمة، لا يزال صاروخ TOW المضاد للدبابات يحتفظ بمكانته داخل الترسانة الأمريكية، في وقت تتسابق فيه الجيوش الكبرى إلى تطوير أسلحة أكثر تطوراً تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتوجيه متعدد الأنماط. وفي أحدث مؤشر على استمرار الثقة بهذه المنظومة، أعلن الجيش الأمريكي عزمه تمديد برنامج الدعم اللوجستي لمنظومتي TOW ITAS وMITAS حتى عام 2030 عبر عقد حصري جديد مع شركة Raytheon.

جندي من الجيش الأمريكي يشغّل منظومة TOW ITAS المضادة للدبابات

ولا يمثل القرار مجرد تمديد لعقد صيانة تقليدي، بل يعكس رؤية استراتيجية ترى أن منظومة TOW ما زالت توفر مزيجاً يصعب الاستغناء عنه يجمع بين الكفاءة القتالية، وانخفاض التكلفة، وسهولة التشغيل، والانتشار الواسع داخل الجيش الأمريكي ومشاة البحرية وعدد كبير من الحلفاء حول العالم.

تحليل سريع

  • السلاح: منظومة TOW ITAS المضادة للدبابات.
  • الشركة المصنعة: Raytheon.
  • نوع العقد: دعم لوجستي حصري (Contractor Logistics Support).
  • مدة العقد: من 2028 حتى 2030 مع خيارين للتمديد السنوي.
  • المستفيدون: الجيش الأمريكي، قوات مشاة البحرية، والدول الحليفة المشغلة للمنظومة.
  • الدلالة العسكرية: واشنطن لا ترى بديلاً جاهزاً يمكنه استبدال منظومة TOW على نطاق واسع خلال السنوات المقبلة.

ما الذي أعلنه الجيش الأمريكي؟

في الأول من يوليو 2026، نشرت قيادة التعاقدات التابعة للجيش الأمريكي في قاعدة ريدستون أرسنال بولاية ألاباما إشعاراً تمهيدياً تعلن فيه نيتها إبرام عقد حصري مع شركة Raytheon لتقديم خدمات الدعم اللوجستي لمنظومتي TOW Improved Target Acquisition System (ITAS) وModified ITAS (MITAS).

ويغطي العقد فترة تبدأ في عام 2028 وتمتد حتى عام 2030، من خلال سنة أساسية مع خيارين للتمديد لمدة عام لكل منهما. ويشمل نطاق العمل الجيش الأمريكي، وقوات مشاة البحرية الأمريكية، إضافة إلى برامج المبيعات العسكرية الخارجية للدول الحليفة التي تستخدم منظومات TOW.

ويعني هذا عملياً أن الجيش الأمريكي لا يخطط لإخراج المنظومة من الخدمة خلال السنوات القليلة المقبلة، بل يستثمر في استمرار جاهزيتها العملياتية، وهو قرار يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد أعمال الصيانة الدورية.

لماذا حصلت Raytheon على العقد دون منافسة؟

قد يبدو منح العقد لشركة واحدة فقط أمراً غير اعتيادي، إلا أن الجيش الأمريكي استند إلى مبررات قانونية واضحة تسمح بإبرام عقود غير تنافسية عندما تكون هناك جهة وحيدة تمتلك المعرفة التقنية والحقوق الصناعية اللازمة لتنفيذ المهمة.

وتُعد Raytheon المطور الأصلي لمنظومة ITAS، كما أنها أنتجتها لعقود طويلة في منشآتها بمدينة ماكيني في ولاية تكساس، وهو ما يمنحها معرفة تفصيلية بالبرمجيات والإلكترونيات وأنظمة الاستشعار وحقوق الملكية الفكرية التي يصعب نقلها إلى شركة أخرى خلال فترة زمنية قصيرة.

ولهذا السبب، فضّل الجيش الأمريكي الاستمرار مع الشركة المصنعة بدلاً من الدخول في برنامج إعادة تأهيل لمقاول جديد قد يستغرق سنوات ويزيد من المخاطر الفنية والمالية.

من حرب فيتنام إلى أوكرانيا.. لماذا لا يزال TOW في الخدمة؟

دخل صاروخ TOW الخدمة مطلع سبعينيات القرن الماضي ليصبح أحد أشهر الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات في العالم. ومنذ ذلك الحين شارك في عشرات الحروب والنزاعات، بدءاً من الحرب الباردة، مروراً بحربي الخليج، ووصولاً إلى سوريا والعراق وأوكرانيا.

ورغم ظهور أجيال أحدث مثل Javelin الأمريكي وSpike الإسرائيلي، لم يفقد TOW أهميته. فالجيش الأمريكي يمتلك آلاف القواذف وعشرات آلاف الصواريخ، كما أن المنظومة أثبتت موثوقية عالية وسهولة في الصيانة وانخفاضاً نسبياً في تكلفة التشغيل مقارنة بالأنظمة الأحدث.

إضافة إلى ذلك، فإن فلسفة تطوير المنظومة لم تعتمد على استبدال الصاروخ بالكامل، بل على تحديث وسائل الرصد والتوجيه والتحكم بالنيران باستمرار، وهو ما منحها عمراً عملياتياً أطول بكثير من المتوقع عند دخولها الخدمة لأول مرة.

ITAS.. العقل الإلكتروني الذي أعاد الحياة إلى TOW

إذا كان صاروخ TOW يمثل الذراع الضاربة للمنظومة، فإن Improved Target Acquisition System (ITAS) يمثل عقلها الإلكتروني. فقد طُور هذا النظام ليعالج أبرز نقاط الضعف في الأجيال الأولى من TOW، عبر دمج وسائل كشف واستهداف رقمية متقدمة رفعت من قدرة الرماة على اكتشاف الأهداف وتعقبها وإصابتها بدقة في مختلف الظروف الجوية والليلية.

ولم يعد الجندي يعتمد على التقدير البصري للمسافة أو الخبرة الشخصية في حساب زاوية الرماية كما كان الحال في الماضي، بل أصبح النظام نفسه يتولى معظم عمليات الحساب والتحليل قبل الإطلاق، وهو ما أدى إلى رفع احتمالية الإصابة من الطلقة الأولى وتقليل زمن الاشتباك مع الهدف.

لكن ما الذي يجعل نظام ITAS مختلفاً تقنياً عن منظومة TOW التقليدية؟ وما هي المكونات التي حولت سلاحاً يعود إلى سبعينيات القرن الماضي إلى منظومة لا تزال قادرة على مواكبة متطلبات ساحات القتال الحديثة؟ هذا ما سنتناوله في الجزء التالي.

لماذا يتمسك الجيش الأمريكي بمنظومة عمرها أكثر من نصف قرن؟

قد يبدو استمرار تشغيل منظومة تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي أمراً غير منطقي في عصر الصواريخ الذكية والطائرات المسيّرة، إلا أن الواقع العملياتي يروي قصة مختلفة. فصاروخ TOW لا يزال يمتلك قدرة عالية على تدمير الدبابات والتحصينات من مسافات آمنة، كما أن آلاف المنصات العسكرية الأمريكية والحليفة تعتمد عليه بالفعل، ما يجعل استبداله بالكامل مشروعاً بالغ التكلفة والتعقيد.

بدلاً من التخلص من المنظومة، اختار الجيش الأمريكي اتباع سياسة التطوير المستمر. فكل جيل جديد من أنظمة الاستهداف والإلكترونيات يمنح الصاروخ قدرات إضافية دون الحاجة إلى إعادة تصميم المنظومة بالكامل، وهو ما يفسر استمرار الاستثمار فيها حتى مع دخول برامج تسليح أحدث إلى الخدمة.

كما أن امتلاك القوات الأمريكية وقوات مشاة البحرية وعدد كبير من الجيوش الحليفة للمئات من منصات الإطلاق يجعل الحفاظ على سلسلة الإمداد والصيانة أكثر جدوى اقتصادياً من استبدال جميع المنظومات في وقت واحد.

عقد حصري مع رايثيون.. لماذا لا توجد منافسة؟

أوضح إشعار الجيش الأمريكي أن العقد سيُمنح لشركة Raytheon بطريقة المصدر الوحيد (Sole Source)، استناداً إلى المادة 2304(c)(1) من القانون الأمريكي ولوائح المشتريات الفيدرالية، والتي تسمح بإسناد العقد دون منافسة عندما تكون شركة واحدة فقط قادرة على تنفيذ العمل المطلوب.

ويرجع ذلك إلى أن رايثيون هي المطور الأصلي لمنظومة ITAS، وتمتلك حقوق البيانات الفنية وأدوات التصنيع والخبرة الهندسية المتراكمة عبر عقود طويلة. وبالتالي فإن نقل أعمال الصيانة والدعم إلى شركة أخرى سيستلزم سنوات من نقل المعرفة وإعادة التأهيل، وهو ما قد يؤثر في جاهزية المنظومة خلال تلك الفترة.

ويشمل العقد الجديد توفير قطع الغيار، وأعمال الإصلاح، والدعم الفني، وإرسال فرق صيانة ميدانية للعمل مباشرة مع الوحدات العسكرية، إضافة إلى إدارة البيانات الفنية الخاصة بالمنظومة، بما يضمن استمرار جاهزيتها القتالية حتى نهاية العقد.

استثمارات متواصلة في TOW رغم ظهور أجيال أحدث

لا يمثل العقد الجديد خطوة منفصلة، بل يأتي ضمن سلسلة من الاستثمارات المتواصلة في برنامج TOW خلال العامين الماضيين. ففي عام 2025 حصلت رايثيون على عقد بقيمة 72 مليون دولار لدعم وصيانة منظومات ITAS، فيما تبع ذلك في يناير 2026 تعديل عقد بقيمة 193.7 مليون دولار لاستمرار إنتاج صواريخ TOW نفسها في مصنع الشركة بمدينة توسان بولاية أريزونا حتى سبتمبر 2028.

ويكشف هذا التسلسل أن وزارة الدفاع الأمريكية لا تنظر إلى TOW باعتباره سلاحاً يقترب من التقاعد، بل تعتبره منظومة ستظل جزءاً أساسياً من قدرات مكافحة الدروع خلال ما تبقى من العقد الحالي، بالتوازي مع تطوير أنظمة صاروخية أحدث لأدوار مختلفة.

الدلالات الاستراتيجية

يحمل القرار الأمريكي رسالة واضحة مفادها أن عمر السلاح لا يُقاس بتاريخ دخوله الخدمة، بل بقدرته على مواكبة متطلبات ساحة المعركة. فمنظومة TOW، التي شاركت في حروب امتدت من الحرب الباردة إلى العراق وأفغانستان ثم أوكرانيا، ما زالت توفر قدرة فعالة ضد العربات المدرعة عندما تُدمج مع أنظمة استشعار ورؤية حديثة.

كما يعكس العقد اعتماد الجيش الأمريكي على مبدأ إطالة عمر المنظومات المجربة بدلاً من استبدالها بالكامل، وهو نهج يوفر مليارات الدولارات ويحافظ على الجاهزية القتالية في وقت تتزايد فيه الضغوط على الميزانيات الدفاعية ووتيرة الطلب على الذخائر والأسلحة.

ومن زاوية أخرى، فإن استمرار دعم TOW يضمن أيضاً استمرار خدمة مئات المنظومات الموجودة لدى الحلفاء، الأمر الذي يعزز التوافق اللوجستي داخل قوات الولايات المتحدة وشركائها، ويضمن بقاء خطوط الإنتاج والدعم الفني عاملة لسنوات إضافية.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

ما هو نظام TOW ITAS؟

هو نظام استهداف وإدارة نيران متطور لصاروخ TOW المضاد للدبابات، يضم كاميرا حرارية، ومحدد مدى ليزري، وحاسوباً رقمياً لحساب حلول الرماية، ما يزيد دقة الإصابة في مختلف الظروف الجوية والليلية.

ما الفرق بين ITAS وMITAS؟

ITAS هو النظام المحمول الذي يستخدمه الجنود على القواذف الأرضية، بينما MITAS هو النسخة المدمجة داخل مركبة سترايكر M1134، والتي تسمح للطاقم بإطلاق الصواريخ من داخل العربة المدرعة دون التعرض للنيران المعادية.

لماذا منح الجيش الأمريكي العقد لشركة رايثيون فقط؟

لأن رايثيون هي المطور الأصلي للمنظومة وتمتلك حقوق التصميم والبيانات الفنية والخبرة الصناعية اللازمة لصيانتها، لذلك اعتبر الجيش أنه لا توجد شركة أخرى تستطيع تنفيذ المهمة بالكفاءة نفسها خلال الإطار الزمني المطلوب.

هل يعني العقد أن صاروخ TOW لن يُستبدل قريباً؟

يشير العقد إلى أن الجيش الأمريكي يعتزم الإبقاء على منظومة TOW ITAS في الخدمة حتى نهاية العقد الحالي على الأقل، مع استمرار تطوير قدراتها بالتوازي مع إدخال أنظمة صاروخية أحدث، وليس استبدالها بشكل فوري.

ما مدى صاروخ TOW؟

يبلغ مدى الصاروخ القياسي نحو 3.75 كيلومترات، بينما يمكن لنسخة TOW Aero بعيدة المدى الاشتباك مع أهداف تتجاوز أربعة كيلومترات، بحسب نوع الذخيرة المستخدمة.

المصادر

  • Defense Blog – U.S. Army plans years more life for its Vietnam-era TOW missile.
  • U.S. Army Contracting Command – Presolicitation Notice (1 July 2026).
  • Raytheon – ITAS (Improved Target Acquisition System) Program Information.
  • U.S. Department of Defense – Contract Awards (2025–2026).
تعليقات