خطت اليابان خطوة عسكرية غير مسبوقة في جنوب شرق آسيا بعدما أطلقت صواريخها المضادة للسفن Type 88 من الأراضي الفلبينية لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك خلال المرحلة الختامية من تمرين Balikatan 2026 المشترك.
الإطلاق جرى في السادس من مايو من منطقة ساحلية قرب مدينة لاواغ شمال غرب جزيرة لوزون، حيث أصاب الصاروخ الياباني هدفه البحري — وهو كاسحة ألغام متقاعدة تعود للحرب العالمية الثانية — على مسافة تقارب 47 ميلاً بعد رحلة استغرقت نحو ست دقائق.
ويمثل الحدث تحولاً لافتاً في الدور العسكري الياباني داخل غرب المحيط الهادئ، كما يعكس تنامي التنسيق الدفاعي بين طوكيو ومانيلا في مواجهة التوسع البحري الصيني في بحر الصين الجنوبي وحول تايوان.
أول انتشار قتالي ياباني في الفلبين منذ 1945
تكتسب العملية أهمية تاريخية كبيرة باعتبارها أول انتشار فعلي لقوات قتالية يابانية على الأراضي الفلبينية منذ عام 1945، وهو ما أصبح ممكناً بعد توقيع اتفاقية الوصول المتبادل بين البلدين في سبتمبر 2025.
ووفق الاتفاقية، بات بإمكان قوات الدفاع الذاتي اليابانية إجراء تدريبات وانتشارات مشتركة داخل الفلبين، حيث شارك نحو 1400 جندي ياباني في نسخة هذا العام من تمرين باليكاتان.
لكن الرسالة الأهم لم تكن مرتبطة بالتدريب نفسه، بل بالموقع الجغرافي للإطلاق.
تمتد “سلسلة الجزر الأولى” من اليابان مروراً بتايوان وصولاً إلى الفلبين، وتشكل أحد أهم خطوط الاحتواء البحري للصين داخل غرب المحيط الهادئ. وفي أي سيناريو صراع محتمل حول تايوان، ستصبح هذه الجزر نقاطاً رئيسية لعرقلة تحرك الأسطول الصيني نحو المحيط المفتوح.
وجود صواريخ مضادة للسفن على الجزر اليابانية شمال تايوان، وأخرى داخل الفلبين جنوبها، يمنح الحلفاء قدرة كبيرة على تهديد الممرات البحرية الصينية وفرض ما يعرف باستراتيجية “المنع البحري”.
ما هو صاروخ Type 88؟
يُعد Type 88 صاروخاً يابانياً مضاداً للسفن يُطلق من منصات برية متحركة، ودخل الخدمة أواخر الثمانينيات ضمن قوات الدفاع الذاتي البرية اليابانية.
ويصل مدى الصاروخ إلى نحو 180 كيلومتراً، وقد صُمم لاعتراض السفن المعادية ومنع اقترابها من السواحل والجزر اليابانية، قبل أن يتحول اليوم إلى جزء من استراتيجية الردع الإقليمية الأوسع ضد الصين.
HIMARS وNMESIS ضمن التمرين
لم يقتصر تمرين Balikatan 2026 على المشاركة اليابانية فقط، بل شهد أيضاً إطلاق منظومة HIMARS الأمريكية لصاروخ GMLRS، إضافة إلى محاكاة هجمات باستخدام منظومة NMESIS التابعة لمشاة البحرية الأمريكية، إلى جانب مشاركة فلبينية بصاروخ C-Star المضاد للسفن.
كما تمتلك مانيلا منظومة BrahMos الهندية الأسرع من الصوت، غير أنها لم تشارك في تدريبات الإطلاق الحي هذه المرة.
وأشرف الفوج البحري الثالث الأمريكي المتمركز في هاواي على إدارة وتنسيق تدريبات الرماية المشتركة.
تعاون دفاعي متسارع بين طوكيو ومانيلا
حضر المناورات وزير الدفاع الفلبيني خيلبرتو تيودورو الابن ونظيره الياباني شينجيرو كويزومي، وذلك بعد يوم واحد من اجتماعهما في مانيلا لمناقشة التعاون الدفاعي ونقل المعدات العسكرية اليابانية إلى الفلبين.
وتدرس مانيلا حالياً التعاقد على طائرات Beechcraft King Air ومدمرات Abukuma اليابانية، في ظل تخفيف طوكيو لقيود تصدير الأسلحة الفتاكة ضمن سياستها الأمنية الجديدة.
وقال تيودورو في تصريح لافت:
“لا تستطيع دولة واحدة تحقيق الردع بمفردها، وكلما تضافرت الشراكات كانت أقوى.”
وامتد تمرين Balikatan 2026 من 20 أبريل حتى 8 مايو بمشاركة نحو 17 ألف جندي من سبع دول، في واحدة من أكبر النسخ التي يشهدها التمرين منذ انطلاقه.
تحولات أمنية متسارعة في آسيا
يعكس تمرين Balikatan 2026 التحول المتسارع في البيئة الأمنية الآسيوية، حيث لم تعد اليابان تكتفي بالدفاع التقليدي داخل أراضيها، بل بدأت تلعب دوراً مباشراً في معادلة الردع الإقليمي ضد الصين ضمن تحالفات بحرية متنامية تقودها الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ.
