أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن تحول استراتيجي بارز في بنية سلاح المدفعية الميدانية، ينهي حقبة تاريخية امتدت لأكثر من أربعة عقود من الاعتماد على مدافع "بالادين" ذاتية الحركة، والبدء في تعميم منظومة المدفعية الرقمية الهجينة التي تعتمد على معالجة البيانات الفورية واختصار زمن الاشتباك لضمان التفوق في ساحات المعارك الحديثة.
ووفقاً لما نشره موقع "ديفينس بلوغ" العسكري، أطلقت الكتيبة الثالثة من فوج المدفعية الميدانية 29، التابعة للفرقة الرابعة مشاة في قاعدة "فورت كارسون" بولاية كولورادو، قذائفها الأخيرة باستخدام مدفع بالادين (M109A6 Paladin)، لتختتم بذلك 43 عاماً من الخدمة العملياتية المتواصلة لهذه المنظومة التقليدية في الخطوط الأمامية للجيش.
وأشار التقرير الرسمي الصادر عن قيادة القوات البرية إلى أن المناورة الختامية للكتيبة، والتي جرت تحت اسم "إيفي ماس" (Ivy Mass)، لم تكن مجرد مراسم توديع تقليدية للسلاح، بل شملت تطبيقاً حياً هو الأول من نوعه لدمج معمارية القيادة والسيطرة من الجيل الجديد التابعة لـ البنتاغون مع منصات الإطلاق الميدانية وتجربتها في ظروف تحاكي القتال الحقيقي.
آلية العمل التقنية ونظام القيادة والسيطرة الجديد
ونجحت الكتيبة في تنفيذ أول مهمة رماية بالذخيرة الحية باستخدام نظام مدمج يربط بين منصة الحوسبة التكتيكية الفورية "آرمي إيدج" (Army Edge) وبرمجيات "مجموعة التنفيذ المدفعي" (Artillery Execution Suite)، وهو ما يمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم تقليص العنصر البشري في نقل البيانات الحرجة وعمليات التوجيه.
تعتمد التقنية الجديدة على معالجة بيانات الأهداف عند نقطة الجمع مباشرة عبر نظام الحوسبة الطرفية (Edge Computing)، دون الحاجة لإرسالها إلى خوادم مركزية بعيدة قد تكون عرضة للتشويش. وتتدفق الإحداثيات آلياً وبشكل مشفر من المستشعرات الميدانية—سواء كانت طائرات مسيرة بدون طيار، أو رادارات أرضية مضادة للمدفعية، أو خلايا استطلاع استخباراتية—إلى لوحة تحكم المدفع مباشرة لتوليد أمر الإطلاق في ثوانٍ معدودة.
وتندرج هذه البرمجيات المتطورة تحت مظلة مبادرة الجيش الأمريكي الأوسع المعروفة باسم "الجيل القادم من القيادة والسيطرة" (NGC2)، والتي تسعى لربط أي مستشعر بأي منصة إطلاق متاحة في الميدان بشكل فوري.
إقرأ أيضاً: تستعرض منظومة AiON لمكافحة الطائرات المسيرة وأسراب الدرونز الانتحارية
مفهوم "سرعة الآلة" في مواجهة التهديدات الحديثة
ويؤكد الخبراء الاستراتيجيون أن الهدف الأساسي من هذا التحول هو تمكين القوات من اتخاذ القرار بما يُعرف بـ "سرعة الآلة" (Machine Speed). هذا التكتيك يعد حاسماً في الحروب الحديثة الشديدة الكثافة ضد خصوم أكفاء يمتلكون قدرات متطورة في الحرب الإلكترونية والتشويش والرصد الرقمي مثل روسيا والصين.
ففي بيئة قتالية تتميز بكثافة النيران وسرعة رصد العدو للمصادر، تصبح المنظومات التقليدية التي تعتمد على إدخال البيانات يدوياً بطيئة ومعرضة للتدمير السريع عبر نيران البطاريات المضادة. تقليص زمن الاستجابة من رصد الهدف إلى إطلاق القذيفة يضمن تدمير تهديدات العدو قبل أن تتمكن من تغيير مواقعها أو الرد على مصدر النيران.
السجل القتالي لمدفع البالادين والأبعاد الإستراتيجية
ويُشكل مدفع M109A6 Paladin، البالغ وزنه نحو 32 طناً والذي يحمل مدفعاً رئيسياً من عيار 155 ملم، العمود الفقري للمدفعية الثقيلة الأمريكية منذ أوائل التسعينيات. تميزت هذه المنظومة بقدرتها على توفير إسناد ناري دقيق بمدى عملياتي يصل إلى 30 كيلومتراً، مع مرونة حركية عالية تتيح لها مواكبة تقدم الدبابات والمدرعات الأمامية في مختلف التضاريس.
وتمتلك المنظومة سجلاً قتالياً حافلاً يمتد من العمليات العسكرية في بنما، وحرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء)، وصولاً إلى غزو العراق والعمليات المستمرة في أفغانستان، بالإضافة إلى التدريبات المشتركة مع حلفاء الناتو مثل ألمانيا ورومانيا، وهو ما أسهم في تعزيز قدرات العمل المشترك التي باتت حيوية عقب التوترات الأخيرة في الجبهة الشرقية لأوروبا إثر الحرب الروسية الأوكرانية.
فلسفة "الكتائب المختلطة" وإعادة هيكلة القوة الميدانية
وبحسب وثائق إعادة الهيكلة الصادرة عن خدمة أبحاث الكونغرس (CRS)، فإن البديل العملياتي في هذه التشكيلات لن يعتمد على استبدال مدفع بآخر من نفس الفئة، بل على الانتقال نحو نموذج تكتيكي جديد يُعرف بـ "الكتائب المدفعية المختلطة" (Composite Field Artillery)، والتي تجمع بين عيارين مختلفين وقدرات متنوعة تحت وحدة قيادة وسيطرة واحدة.
تدمج الفلسفة التكتيكية الجديدة بين المدافع الخفيفة عيار 105 ملم—التي تتميز بخفة وزنها وسهولة نقلها جواً عبر المروحيات لدعم قوات الإنزال السريع والمشاة الخفيفة في التضاريس المعقدة—وبين المدافع الثقيلة عيار 155 ملم القادرة على توفير غطاء ناري كثيف وتدمير الأهداف شديدة التحصين والآليات المدرعة في العمق.
ويمنح هذا الدمج الهجين لقادة المجموعات القتالية مرونة عالية في تخصيص الدعم الناري المباشر بناءً على طبيعة الهدف وفورية التهديد، دون الحاجة لانتظار إسناد من وحدات مدفعية مستقلة، مما يقلل من العبء الإداري ويسرع زمن الاستجابة في البيئات القتالية عالية الديناميكية وسريعة التغير.
