ستة عقود من الخدمة كافية لأي سلاح مهما بلغت متانته. هكذا قررت القيادة السويسرية أن تطوي صفحة مدفع الهاوتزر M109، الذي رافق الجيش السويسري منذ ستينيات القرن الماضي، وأن تفتح فصلاً جديداً مع نظام المدفعية AGM من تصنيع الشركة الألمانية KNDS، محمولاً على منصة المدرعة السويسرية Piranha IV ذات الهيكل العجلي 10×10.
نظام AGM: برج غير مأهول وتحميل آلي
العقد الذي أبرمه المكتب الاتحادي للمشتريات الدفاعية "أرماسويس" مع KNDS Deutschland لا يشتري قطعة سلاح بديلة، بل يُشيّد منظومة قتالية متكاملة من الصفر. فإلى جانب نموذج أولي واحد و32 وحدة إنتاجية، يشمل العقد منظومات تدريب ومحاكاة وذخائر حديثة من عيار 155 ملم/52 ترفع المدى وتُحسّن دقة الإصابة مقارنةً بالذخائر الحالية، وهو ما يجعل هذا النظام أقرب إلى ثورة تشغيلية منه إلى مجرد تحديث.
ما يميّز AGM عن أسلافه أنه برج غير مأهول يعمل عن بُعد بالكامل، مع نظام تحميل آلي يتيح الإطلاق وإعادة التحميل في أي زاوية ارتفاع أو سمت، بما في ذلك أثناء الحركة. وهذا ما يمنح النظام قدرة "أطلق وانسحب" Shoot & Scoot بكفاءة نادرة بين منظومات المدفعية ذات العجلات، إلى جانب قدرة MRSI أي توجيه قذائف متعددة لتصل إلى الهدف في اللحظة ذاتها.
درس أوكرانيا يُعجّل قرار التحديث
لم تأتِ هذه الخيارات التقنية من فراغ. فقد كشفت الحرب في أوكرانيا بصورة قاطعة أن المدفعية المكشوفة والبطيئة الحركة هدف سهل للطائرات المسيّرة وردود الفعل المضادة للبطاريات، إذ خسرت المدفعية المجرورة خسائر فادحة بينما نجت المنظومات العجلية عالية الحركية كمدفع Caesar الفرنسي من المصير ذاته بنسب أقل بكثير. هذا الدرس الميداني دفع دولاً أوروبية عديدة إلى إعادة النظر في منظومات مدفعيتها، وسويسرا ليست استثناءً.
إقرأ أيضاً: صفقة بولندية لتوريد 146 مركبة قتالية من طراز بورسوك
التسليم الفعلي لن يبدأ قبل 2031
الطريق إلى التسليم الفعلي لا يزال طويلاً. فالنموذج الأولي لن يكتمل بتهيئته النهائية قبل عام 2027، ولن يخضع للتأهيل الرسمي قبل 2028، فيما لن تصل الوحدات التسلسلية إلى يد الجيش السويسري إلا ابتداءً من 2031. مسار تقييم بدأ في أغسطس 2022 وشمل تجارب حركة على الأراضي السويسرية واختبارات ميدانية خارج الحدود، قبل أن يُعلَن عن اختيار نظام AGM على منصة Piranha IV في نوفمبر 2024.
الاختيار منسجم مع استراتيجية التسلح السويسرية
اختيار منصة Piranha IV من الشركة السويسرية GDELS-Mowag لم يكن قراراً تقنياً بحتاً. فهو جاء منسجماً مع استراتيجية التسلح التي أصدرها المجلس الاتحادي السويسري في يونيو 2025، والتي تنص صراحةً على تعزيز التعاون مع الموردين الأوروبيين والحفاظ على حصة من القيمة المضافة داخل الاقتصاد السويسري. بمعنى آخر، برن لا تريد أن تكون مجرد مشترية للسلاح، بل شريكة صناعية في منظومة الدفاع الأوروبية المتصاعدة.
إقرأ أيضاً: ليتوانيا تشتري 936 مدرعة فنلندية من طراز Patria 6x6 لتعزيز ممر سوفالكي
هل تسير أوروبا نحو توحيد منظومات المدفعية؟
القرار السويسري يطرح تساؤلاً أعمق يتجاوز حدودها: هل تسير أوروبا فعلاً نحو توحيد منظومات مدفعيتها تحت مظلة عدد محدود من العمالقة كـ KNDS التي تجمع كراوس-ماففاي فيغمان الألمانية ونكستر الفرنسية في تكتل واحد؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف ستؤثر هذه الموجة التسليحية الأوروبية غير المسبوقة على معادلات القوة خارج القارة، ولا سيما في المناطق التي تترقّب هذه التحولات عن كثب؟.
المصادر:- الحكومة السويسرية — البيان الرسمي لأرماسويس
- Defence Industry Europe — تفاصيل الاختيار السويسري
